بل جاء مصحوبًا بتشوش ذهني، وإرهاق خفي، وشعور بالاختفاء تدريجيًا داخل حياة ما زالت تُطالب بالروتين.
بقلم إيهاب سلطان
HoyLunes —أحيانًا، لا يأتي التغيير بضجة، بل بصمتٍ لا تعرف كيف تملأه.
أتذكر ليلةً، ليست ببعيدة، رأيتُ فيها شريكتي (52 عامًا) واقفةً عند النافذة. لم تكن تنظر إلى شيءٍ مُحدد. وقفت هناك، ويدها مُعلقة في الهواء كما لو أنها نسيت سبب حركتها. لم يكن نسيانًا عاديًا مثل “أين وضعتُ مفاتيحي؟”. كان شيئًا أعمق. عندما التفتت نحوي، كانت عيناها تتمتعان بصفاءٍ أرعبني.
بعد أشهر، وبمزيج من الخجل وصراحة لا تزال تؤلمني، شرحت لي الأمر قائلة: “لم يكن زلة لسان يا إيهاب. كان شعورًا بأن جسدي، للحظة، توقف عن التعبير عن مشاعره. كما لو أن شيئًا ما في داخلي لم يعد يتفاعل بالطريقة نفسها.”
في تلك الليلة، بقيت على طبيعتها. استمرت في الرد على رسائل البريد الإلكتروني، وتنظيم جدول أعمال الأسبوع التالي، وتذكرت، كعادتها، عيد ميلاد والدتي الذي كنت سأفوته. من الخارج، رأى العالم امرأة مثالية، منتجة، ومسيطرة على حياتها. لكنني، التي أشاركها قهوتها وصمتها، بدأت ألاحظ أنها تعيش تحولًا لم يعلمنا أحد كيف نسميه.
لأن الخطاب العام عن انقطاع الطمث قد خدعنا. لقد سوّقوه لنا على أنه قائمة مملة من الأعراض الجسدية: الهبات الساخنة، والتعرق الليلي، واضطرابات الدورة الشهرية. لكن ما رأيته فيها لم يكن “مشكلة جسدية”. كان تحولًا داخليًا. كما لو أن شيئًا جوهريًا يتغير بينما تستمر هي في محاولة العيش بالطريقة نفسها تمامًا كما كانت من قبل.

الضباب خلف النظرة
لم يكن ما حدث بعد ذلك انفجاراً، بل تآكلاً. بدأت ألاحظ أن إرهاقها لم يكن كإرهاق يوم عمل طويل؛ بل كان شيئاً أكثر كثافة، نوعاً من ضباب الدماغ الذي حجبها عن العالم.
بحثاً عن إجابات، أدركتُ أن الأمر ليس مجرد “علم نفس”. فوجئتُ باكتشاف سيطرة هرمون الإستروجين الخفية. لا أحد يخبرك أن هذه الهرمونات ليست مفيدة للخصوبة فحسب؛ بل هي التي تُبقي الدماغ مضاءً: فهي تُنظم النوم والذاكرة والاستجابة للضغط النفسي، وحتى السيروتونين الذي يجعلنا نشعر بأن “كل شيء على ما يرام”. عندما يختل هذا التوازن، يتوقف العالم عن كونه كما كان.
ظللتُ أطرح على نفسي سؤالاً لا يزال يؤرقني: ما مقدار ما نحبه في شخصية أحدهم، في الواقع، هو نتاج بيولوجي يعمل بصمت؟ كانت رؤيتها بمثابة رؤية جهاز عصبي يحاول استيعاب ضجيج الحياة اليومية دون أي مرشحات معتادة. ببساطة، أصبح العالم صاخباً للغاية بالنسبة لواقعها البيولوجي الجديد.
لا يدخل الجسم هذه المرحلة من الصفر
مع مرور الأشهر، أدركتُ أن الجسم لا يصل إلى سن اليأس كصفحة بيضاء. بل يصل حاملاً معه كل ما عاشه سابقاً.
لا تصل جميع النساء إلى هذه المرحلة بنفس الجسد. ثمة فرق شاسع بين عبور هذه العتبة البيولوجية بعد سنوات من الصحة، أو بعد عقود من الإجهاد المتواصل الذي يعتبره العالم الحديث “طبيعياً”. أدركتُ أن الكثيرات يصلن إلى هذه المرحلة بأجسام منهكة بشدة نتيجة سنوات من النوم المتقطع والضغط النفسي الهائل.
ليس سن اليأس دائماً هو سبب هذه المعاناة؛ أحياناً يكون ببساطة اللحظة التي يتوقف فيها الجسم عن الحصول على الماء اللازم لإخماد تلك المشاعر التي كانت مشتعلة بصمت لسنوات. هذه المرحلة لا تُخلّ بالتوازن دائماً؛ في كثير من الأحيان، يكشف ببساطة عن الحالة الحقيقية التي عاشها الجسم لعقود.

عندما تتوقف المرآة عن الاستجابة بالطريقة نفسها
هناك جزء من هذا التحول لا يظهر في تحاليل الدم، بل في الأجواء المحيطة. اعترفت لي بشعور غريب بأنها بدأت تتلاشى تدريجيًا من أنظار الآخرين. لعقود، تُعلّم النساء أن قيمتهن الاجتماعية مرتبطة بالشباب والطاقة الدائمة. عندما تُغيّر البيولوجيا هذا العقد، تتصدع الصورة الاجتماعية.
حتى تلك العصبية التي كانت تظهر أحيانًا بدت لي وكأنها شيءٌ إنسانيٌّ أكثر من مجرد عرض. لم تكن مجرد “مزاج سيء”. بل كان الجهاز العصبي يُخبرنا أنه لم يعد قادرًا على تقبّل ما كان يتحمله بصمت. أحيانًا، لا يُولّد انقطاع الطمث مشاعر جديدة؛ بل يُقلّل ببساطة من القدرة على إخفاء الإرهاق المُزمن.
متاهة القطع المتناثرة
كانت هناك لحظة هدوء ظاهري أربكتنا. مرت ثلاثة أشهر دون دورة شهرية، فظننا: “انتهى الأمر”. لكن البيولوجيا ليست زرًا يُفتح ويُغلق. علمنا أن انقطاع الطمث عملية متقلبة؛ فقد تعود الدورة بشكل غير متوقع. الإرشادات الطبية واضحة: يجب الانتظار اثني عشر شهرًا متتالية من الصمت لاعتبار العملية قد انتهت.
وفي ذلك الانتظار، ظهر موكب من الأخصائيين. كان من المُحزن رؤيتها مُشتتة: فحص طبيب القلب قلبها، وطبيب الأعصاب ذاكرتها، وطبيبة النساء هرموناتها. لم ينظر أحد إلى المرأة ككل. كان أكثر ما يُثير الإحباط هو أن نتائج التحليل كانت دائمًا “طبيعية”، وهي تجربة مُعزلة تدفع الكثيرين إلى الاعتقاد، في صمت، أن المشكلة تكمن في عقولهم فقط.

الجسد يتوقف أخيرًا عن الصمت
مع مرور الوقت، توقفتُ عن البحث عن حلول سريعة. أدركتُ أن انقطاع الطمث يُضخّم نقاط الضعف التي أمضت سنوات في محاولة التعويض عنها. ما كان يُمكن إخفاؤه سابقًا أصبح الآن مكشوفًا.
ولعل هذه إحدى أهم حقائق هذه المرحلة: الجسد لا يُصبح فجأةً غير قابل للفهم. فهو يستمر في الاستجابة للعوامل البيولوجية، والراحة، والضغط النفسي، والعزلة، والإرهاق المُتراكم. ما يتغير هو أنه لم يعد لديه متسع من الوقت للاستمرار في التعويض عن كل شيء في صمت.
وسط هذا الضعف، بدأت تُشكك في أنماط الجمود التي كانت تعمل لسنوات دون فحص: العلاقات المُرهقة، ومتطلبات العمل، وعادة التواجد الدائم للجميع. لعلّ هذا هو السبب في إصرار العديد من الأخصائيين اليوم على أمرٍ يبدو بسيطًا، ولكنه ليس كذلك: فالنوم الجيد، والحدّ من التوتر المستمر، والحفاظ على كتلة العضلات، وطلب المساعدة قبل الوصول إلى حدّ الإرهاق، ووقف الاستسلام للتعب الشديد، ليست عادات صحية بسيطة، بل هي طرق حقيقية لمنح الجهاز العصبي فرصة للتعافي.
اليوم، عندما أنظر إليها، أدرك أن جسدها لم يكن يخونها، بل كان يضع لها حدًا. انقطاع الطمث ليس مجرد تغير هرموني، بل هو تجربة إنسانية عميقة. إنه اكتشاف أننا لسنا آلات مصممة للحفاظ على أي نمط إلى ما لا نهاية.
ربما لا يكون انقطاع الطمث هو اللحظة التي تبدأ فيها المرأة بفقدان نفسها، بل اللحظة التي يطالبها فيها جسدها، المنهك من تحمل كل شيء في صمت، بالعودة إلى ذاتها.
#انقطاع_الطمث #صحة_المرأة #الهرمونات #الشيخوخة_الصحية #الرفاهية_النفسية #HoyLunes #إيهاب_سلطان